شهد مؤتمر الإعلان عن معرض ناس تكس في دمشق برعاية رئيس الجمهوريّة العربيّة السوريّة أحمد الشرع، جلسة اقتصاديّة موسّعة جمعت وزير الاقتصاد والصناعة الدكتور محمد نضال الشعار، ورجل الأعمال حسام الدين الططري رئيس المجلس الاقتصاديّ السوريّ–التركيّ، بحضورِ نخبة من الوزراء والسفراء والدبلوماسيين العرب والأجانب، والصناعيين، والمستثمرين، والمهتمّين بقطاع النسيج في سورية.
وقد شكّلت الجلسة مساحة صريحة لطرحِ أبرز التحدّيات التي يُعاني منها القطاع بعد حربٍ استمرّت 14 عاماً، إلى جانب رسم ملامح الحلول، والفرص الكبرى التي يمكن البناء عليها لإعادةِ نهوض صناعة النسيج السوريّة.
قطاع النسيج في سورية ليس صناعة عاديّة
استهلّ وزير الاقتصاد حديثَه في الجلسة الاقتصادية لمؤتمر إطلاق ناس تكس 2026 بالتأكيد على أنّ النسيج ليسَ مجرّد صناعة في سورية، بل “هويّة متأصّلة في وجدان السوريين”، وصناعة حملت شهرة البلاد إلى أصقاع العالم.
وأشار إلى أنّ التفكير بنهضة سوريّة يبدأ من القطاعات التي اشتهرت بها، وفي مقدّمتها النسيج، لأبعاده الفكريّة والنفسيّة والاجتماعيّة قبل الاقتصاديّة.
اقتصاديّاً، أوضحَ الوزير أنّ أكثر من 60% من البلاد مُدمّر، وأنّ معدّل البطالة يتجاوز 65%، وأنّ قطاع النسيج هو الأكثر قدرة على استيعاب العمالة؛ وخاصّة النساء؛ بحكم طبيعته.
كما نوّه إلى “المهارة السوريّة” المشهودة في هذه الصناعة، ونجاح السوريين في تأسيس مصانع نسيج في تركيا ومصر بعد خروجهم من البلاد، ما يؤكّد الإمكانات الكامنة لإحياء القطاع محلّيّاً.
ولفت الوزير إلى أهمّيّةِ الموقع الجغرافيّ لسورية وقدرته على تحويلِ البلاد إلى مركز إعادة تصدير، إضافة للتكامل الاقتصادي الممكن مع تركيا؛ إحدى أبرز القوى العالمية في صناعة النسيج.
تحدّيات القطاع وثمار التغلّب عليها
استعرض رجل الأعمال حسام الدين الططري من جهته أبرز التحدّيات التي تواجه قطاع النسيج في سورية، مستبقًا إيّاها بالتأكيد على أهمّيّة النظرة الإيجابية قائلاً:
“ثمار تجاوز التحدّيات عظيمة، إنّها صناعة يمكنها تشغيل ثلث العمالة في سورية، وتشكّل ثلث الناتج القومي لو نُظّمت بطريقة صحيحة.”
وقد كان من التحدّيات التي ذكرها:
1. التدريب والتأهيل
العالم يطلب سلعة وفق مواصفات عالميّة صارمة، ولسنوات طويلة حُرم القطاع من التطوير، وباتت الحاجة مُلحّة لرفع مستوى المهن، التدريب، ضبط الجودة، والمهارات الفنّيّة.
2. ضعف المعدات والتكنولوجيا
العقوبات، والبيروقراطية السابقة، والقوانين القديمة جميعها منعت تحديث الماكينات، ما خلق فجوة كبيرة في القدرة التنافسية ورأى في ذلك دورًا مهمًا يقوم به معرض ناس تكس ليكون بوابة للاطلاع على أحدث المعدات.
سجّل حضورك في ناس تكس سواء أكنت عارضًا أم زائرًا.
3. انقطاع الاتصالات التجارية مع العالم
منذ التأميم، تراجعت الشبكات التجاريّة الدوليّة، بينما كانَ السوريّون في الماضي يُصدّرون البروكار والدامسكو لإنكلترا، واليوم، المطلوب إعادة فتح قنوات التصدير والانفتاح على الخارج.
الحاجة إلى تكامل قسمي القطاع الخاص
وقد أوضح الططري أن القطاع الخاصّ السوريّ انقسم إلى فئتين:
القسم الأوّل: يشمل من خرج واكتسب Know-how جديد في تركيا أو مصر أو غيرها، وهؤلاء يجب أن ينقلوا خبراتهم إلى سورية.
أمّا القسم الثاني: هو من بقي يعمل رغم الظروف القاسية، وهؤلاء مدعوون للانفتاح والتطوير والدخول في شراكات جديدة والاستفادة من خبرات القسم الأوّل.
وأكّد أنّ الدولة بدأت بإزالة العراقيل السابقة، وأنّ الوقت مناسب لنهضة مشتركة.
دور المرأة في إحياء قطاع النسيج السوري
توقّف الوزير مطوّلاً عند دور النساء، مؤكّداً أنّ الحروب المتتالية تركت العائلة السورية ب“حالةٍ مزرية” يجب معالجتها عبر تمكين المرأة اقتصادياً، وأنّ قطاع النسيج هو المجال الأكثر قدرة على الاستيعاب للمرأة معوّلًا على مهاراتها الطبيعيّة في هذه الحرفة ومشدّدًا على أهمّيّة دورها، قائلًا:
“رب العالمين منح النساء قدرة أكبر من الرجال في هذه الحرفة، ومن واجبنا تدريبهنّ وتمكينهنّ ليصبحن ليس فقط عاملات، بل ومديرات وصاحبات مصانع ودور أزياء.”
التكنولوجيا، الرقمنة، والمكننة الحديثة
وأعلن الوزير الشعار في الجلسة الاقتصادية لمؤتمر إطلاق ناس تكس 2026 عن إطلاق قسم جديد في الوزارة باسم “الاقتصاد الرقمي” يهتمّ بكل ما يتعلّق بالرقمنة الصناعية.
وكشف عن تأسيس هيئة جديدة للمشاريع الصغيرة والمتوسطة والمايكرو، وربطها بصناعة النسيج، مؤكّداً أنّ اجتماع “الرقمنة + المشاريع الصغيرة + النسيج” سيخلق معجزات حقيقيّة في التشغيل والإنتاج.
كما وشدّد الوزير على أنّ تحديث المعدّات بات ضرورة لا مفرّ منها، خاصّة بعد زوال العقبات والعقوبات التي كانت تمنع الاستيراد.
ّوأشار إلى أن:
“لا يمكن أن ننافس دون مكننة حديثة، لقد افتقدناها لسنوات، واليوم الفرصة ذهبية لتعويض ما فات.”

دعوة إلى رجال الأعمال في الخارج، المبادرة قبل كل شيء
أكّد الططري أن المستثمرين في الخارج يجب ألا ينتظروا الظروف المثالية، بل عليهم المبادرة بنقل خبراتهم ورؤوس الأموال.
وقال:
“نحن نحاول أن نقدم مشروعاً تجريبياً ناجحاً، وبمجرّد أن يرى رجال الأعمال مثالاً ناجحاً، سيلحقون به.”
وقد رأى الططري أنّ الحوافز ليست فقط مادّيّة، بل أخلاقيّة أيضاً.
أما اقتصاديّاً، فالوضع في تركيا يخلق فرصة ذهبية، حيث بدأت صناعة النسيج تنحسر هناك نتيجة ارتفاع تكاليف العمالة كما انحسرت سابقًا في أوروبا، في حين أنّ تكاليف الإنتاج في سورية أقل بكثير.
وقال:
“هذه فرصة تاريخيّة، جزء من سوق حجمه 70 مليار دولار يمكن أن يكون لنا.”
الشراكة بين القطاعين العام والخاص نموذج جديد
وضع الوزير إطاراً واضحاً للشراكة المستقبلية:
– الدولة تقدّم البنية التحتيّة.
– القطاع الخاص يقدّم رأس المال والتشغيل والإنتاج.
– العوائد تُقسّم بما يتناسب مع الدورين.
كما كشف عن قيام الدولة بتقييم للمصانع الحكومية وطرحها للاستثمار “وليس الخصخصة”، وقد تمّ توقيع عقود بالفعل مع مستثمرين لتشغيل الكثير منها بعد أن أثبتت فكرة تشغيلها من قبل الدولة فشلها سابقًا.
نقاش الصناعيين: الحماية والتكاليف والأسواق
طرح الصناعي عامر رنكوسي سؤالاً حول حماية الصناعات القائمة، نظراً للقرارات المتأخرة وارتفاع التكاليف.
فأجاب الوزير بصراحة:
– سورية اليوم في “مرحلة جنينية”، ما زالت تعاني من نقص الموارد والمهارات.
– لكن هناك وعود بإجراءات قريبة تشمل:
- “قيود ذكيّة” على الاستيراد.
- إعادة النظر بالرسوم الجمركيّة.
- مكافحة التهريب.
- دعم الصناعات المحلّيّة بشكلٍ مدروس.
ودعا الصناعيين لوضع نظام جُمركيّ متوازن يناسب جميع مراحل صناعة النسيج، وعددها 9 مراحل، مؤكّداً أنّ الحكومة “لا تمتلك الخبرة الفنيّة الدقيقة دون تعاون الصناعيين” ووعد بالأخذ بمقترحهم بشكلٍ جدّي داعيًا إيّاهم إلى المشاركة الفعّالة.
الأسواق أهمّ من الحماية
علّق الططري قائلاً إن المشكلة الحقيقية ليست الرسوم أو الحماية، بل غياب الأسواق.
فالمنتج التركيّ يبيع بسعرٍ أعلى رغم كلفة العمالة المرتفعة لأنه يمتلك أسواقاً واسعة.
وقال:
“يجب أن نبحث عن جذور المشكلة لا ظلّها، نحتاج إلى فتح أسواق جديدة، لا فقط حماية داخليّة.”
التدريب والتأهيل: أرقام ووقائع
كشف الوزير خلال الجلسة عن أرقامٍ مهمّة حول واقع التدريب والتأهيل في سورية في قطاع النسيج:
–حوالي 1000 شخص تخرّجوا من برامج تدريب مكثّفة خلال 6 أشهر.
– المعاهد التقانية تخرّج سنوياً مئات المتخصّصين في النسيج وكيمياء الأقمشة.
– مراكز تدريب في حلب ودمشق يجري تطويرها لإعداد كوادر في الألبسة الجاهزة والطباعة والنسيج.
البنية التحتيّة ليست فقط طرقاً وموانئ
أوضح الوزير أنّ البنية التحتيّة الاقتصاديّة تتضمّن:
– العلاقات الدوليّة
– الاتفاقيات التجاريّة
– المؤتمرات
– الشراكات الخارجيّة
– بناء قنوات تصدير
وقال:
“معرض ناس تكس نفسه جزء من البنية التحتية، لأنّه يجلب العالم إلى دمشق، ويعيد وصل الصناعة السوريّة بالأسواق العالميّة.”
تخفيض الرسوم الجمركيّة الأمريكيّة من 41% إلى 10%
كشف الوزير عن تقدّم مهم في محادثات مع الجانب الأمريكي حول الرسوم الجمركيّة المفروضة على البضائع السوريّة.
وأوضح أن نسب 41% ليست عقوبة سياسيّة، بل نتيجة معادلة رقميّة مرتبطة بعجز الميزان التجاري.
وتجري حالياً مفاوضات لخفض النسبة إلى 10%، مع جهود دبلوماسيّة وتجاريّة مكثّفة لتحقيق ذلك خلال الفترة القادمة.
ماذا ينتظر الصناعيّون من معرض ناس تكس؟
بحسب الططري، فإن المعرض يجب أن يسلط الضوء على ثلاث حلقات رئيسية:
- ّالمنتج السوري.
- التقنيات والماكينات الحديثة.
- العارضون والمشترون من الخارج.
مؤكّداً أنّ المعرض سيكون نقطة وصل بين المنتجين، المصنّعين، والشركات الدوليّة.
اطلع على كامل التقرير الشامل لمؤتمر إطلاق ناس تكس 2026 في دمشق
دور الوزارة بعد المعرض
اختتم الوزير الجلسة بالتأكيد على أن نتائج المعرض ستكون بمثابة “خارطة طريق” للعمل الحكوميّ القادم، مشيراً إلى:
– توسيع المدن الصناعية.
– طرح أراضٍ جديدة للاستثمار.
– تأسيس مدن صناعية جديدة.
– تعزيز برامج التدريب.
– تطوير البنية التنظيميّة والتشريعيّة.
– إطلاق مشاريع بالشراكة مع دول صديقة.
ّوأكّد أن:
“ما نقوم به اليوم هو تأسيس بنى تنظيمية واقتصادية قد تكون أهم من الطرق والمطارات.”
ختامًا، جاءت الجلسة الاقتصادية في مؤتمر الإعلان عن معرض ناس تكس صريحة، عميقة، وواضحة في تشخيص المشكلة وتحديد الطريق.
وبرغم التحدّيات الكبيرة التي خلّفتها سنوات الحرب، إلا أن ما طُرح من رؤى، وما أظهره المتحدّثون من إرادة، يُثبت أن صناعة النسيج في سورية تمتلك فرصة حقيقيّة للعودة، وربما تتجاوز ما كانت عليه عبر التدريب، التكنولوجيا، الشراكات، وتوسيع الأسواق، وهنا يأتي دور ناس تكس الحقيقي بالإسهام في نسج مستقبل الاقتصاد السوريّ.